عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري
254
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة
فلهذا خصّها اللّه بالذكر في قصّة مريم ابنة عمران « 1 » ، عليها السّلام ، وكانت وليّة ماشية على الماء ، لكونها منفوخة فيها روح الهواء المنفوث « 2 » من الملك الأكبر والروح الأعظم ، حيث قال : « واذكر في الكتاب مريم ، إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا » ، اى نأت جانبا قواها بانسلاخها عنها . وانما خصّ مكانها بالشرقىّ ، لان الفيض انما يتناثر ( b 286 ) من العقول ، وهي شرق عالم الوجود . « فاتخذت من دونهم حجابا » ، بقطع علائقها وحبالها . « فلما تمّ ميقات ربّها أربعين » وأكثر ، وكانت هي في تلك الايّام مشتغلة بالتزكية والتّخلية من الذكر والفكر ؛ فاضت عليها الآثار العلويّة ، وتناثرت على روحها الأنوار الغيبيّة ، وتمثّلت على شبح انساني أمرد . والمرودة كناية عن كونه مجرّدا عن المادّة وعلائقها ، وهو قوله : « فتمثّل لها بشرا سويا » . فنفث في روعها من الرياح المنشورة بين يدي رحمته ، فصار بذرا للقوّة العاقلة فيها ، « فحملته » ، اى فتغيّرت حالها عما كانت ( م 189 پ ) عليه ، من جهة ان تلك الأنوار مبدلة لجوهر النفس . « فانتبذت به مكانا قصيّا » ، لانّها استشعرت من الحسّاد كيدهم ، كما كادت اخوة يوسف به ، وتوهّمت تكذيبهم ايّاها ، « فهجرتهم هجرا ( a 287 ) جميلا ، واتخذت إلى ربها سبيلا » . فلما انقضت مدة حملها تسعون شهرا أو أكثر أو اقلّ ، كما كان لموسى عند ربه أربعون ليلة ، وعند شعيب ثمان سنين ، « فاجاءها المخاض إلى جذع النخلة » . المخاض الطلق ، وهو وجع الولادة ، وهو كناية عن خروج القوّة العاقلة من القوّة إلى الفعل لصعوبته ووعورته . « فناديها من تحتها » ، وهو الروح الواهب لتلك القوّة ، ( 117 پ ) ومخرجها من القوة إلى الفعل ، « الا تحزني » ، لأنها كانت وليّة ، « وأولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون » . « وهزّى إليك بجذع النخلة تساقط » . امرها باستعمال القوّة الفكريّة ، لانّها هي المعينة « 3 » للعقل على حصول الكمالات له ، « تساقط عليك رطبا جنيّا » ، تتناثر عليك من رطب المعارف وقسب العلوم . وهذه النخلة هي شجرة موسى الّتي سمع النداء ( b 287 ) في « البقعة المباركة » بعينها ، الا ان موسى لما كان رجلا كاملا نبيّا ، سمّى قوته المتفكّرة شجرة ذات أغصان وأوراق ، ومريم لما كانت امرأة ناقصة وليّة ، سمّاها « جذع نخلة » غير ذات افنان وأوراق .
--> ( 1 ) - س : « ابنة عمران » ندارد . ( 2 ) - س : المبعوث . ( 3 ) - س : لأنها معينة .